محمد بن جرير الطبري
210
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مؤمنون ، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمد مكذبون ، لأن كتابكم يأمركم بالتصديق به وبما جاءكم به ، فآمنوا بكتابكم في اتباعكم محمدا ، وإلا فأنتم به كافرون . فهذا وجه أمرهم بالإيمان بما أمرهم بالإيمان به ، بعد أن وصفهم بما وصفهم بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . وأما قوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فإن معناه : ومن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فيجحد نبوته ، فهو يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، لأن جحود الشيء من ذلك بمعنى جحوده جميعه ؛ وذلك لأنه لا يصح إيمان أحد من الخلق إلا بالإيمان بما أمره الله بالإيمان به ، والكفر بشيء منه كفر بجميعه ، فلذلك قال : وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بعقب خطابه أهل الكتاب ، وأمره إياهم بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم تهديدا منه لهم ، وهم مقرون بوحدانية الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر سوى محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الفرقان . وأما قوله : فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً فإنه يعني : فقد ذهب عن قصد السبيل ، وجار عن محجة الطريق إلى المهالك ذهابا وجورا بعيدا ، لأن كفر من كفر بذلك خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده ، والخروج عن دين الله : الهلاك الذي فيه البوار ، والضلال عن الهدى هو الضلال . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : تأويله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بموسى ثُمَّ كَفَرُوا به ثُمَّ آمَنُوا يعني النصارى بعيسى ، ثُمَّ كَفَرُوا به ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد ، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً وهم اليهود والنصارى ، آمنت اليهود بالتوراة ، ثم كفرت ؛ وآمنت النصارى بالإنجيل ، ثم كفرت ؛ وكفرهم به : تركهم إياه ، ثم ازدادوا كفرا بالفرقان وبمحمد صلى الله عليه وسلم ، فقال الله : لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا يقول : لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريق هدى ، وقد كفروا بكتاب الله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم . حدثنا : الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا قال : هؤلاء اليهود آمنوا بالتوراة ، ثم كفروا . ثم ذكر النصارى ، ثم قال : ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً يقول : آمنوا بالإنجيل ثم كفروا به ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون : بل عنى بذلك : أهل النفاق أنهم آمنوا ثم ارتدوا ، ثم آمنوا ثم ارتدوا ، ثم ازدادوا كفرا بموتهم على كفرهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قال : كنا نحسبهم المنافقين ، ويدخل في ذلك من كان مثلهم . ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قال : نموا على كفرهم حتى ماتوا . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قال : ماتوا . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قال : حتى ماتوا . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا الآية ، قال : هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين ، وكفروا مرتين ، ثم ازدادوا كفرا بعد ذلك . وقال آخرون : بل هم أهل الكتابين : التوراة والإنجيل ، أتوا ذنوبا في كفرهم فتابوا ، فلم تقبل منهم التوبة فيها مع إقامتهم على كفرهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي العالية : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قال : هم اليهود والنصارى أذنبوا في شركهم ، ثم تابوا فلم تقبل توبتهم ، ولو تابوا من الشرك لقبل منهم . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال